الديبلوماسية الروسية: شكل من أشكال المسؤولية التاريخية

في العاشر من شباط، نحتفل تقليدياً بعيدنا المهني – يوم العامل الديبلوماسي. وهو بالنسبة إلى جميع المعنيين مناسبة أخرى تذكّر بمدى الدور المهم الذي تؤدّيه هذه المهنة البالغة الدقة، والمغلّفة في كثير من الأحيان بهالة من الغموض، في الشؤون الدولية.
لقد رافق تاريخنا الممتد لآلاف السنين تراثٌ خارجي سياسي لا يقل قِدماً. وقد تشكّل هذا التراث بوصفه حالة خاصة من تفكير «الدولة» – قدرة على رؤية العالم ككل، والتمييز بين التيارات العميقة، ومواءمة الخطوات الذاتية ليس فقط مع الجدوى الآنية، بل أيضاً مع النتائج البعيدة المدى. عندما كانت روسيا تبني علاقاتها مع العواصم المعنية في سياق تشكّلها الذاتي، فعلت ذلك بوصفها حضارة تمتلك ذاكرة وخبرة وإحساساً بالميزان الجيوستراتيجي. ولهذا السبب تحديداً، لم تعتمد سياستها الخارجية يوماً على «الموضة» أو الظرفية، بل على فهم المكان والزمان والمسؤولية.
منذ أولى بعثات روسيا القيصرية في القرن السادس عشر، وصولاً إلى البنية الديبلوماسية المعقّدة في الحقبتين الإمبراطورية والسوفياتية، تصرّفت الدولة الروسية ضمن نموذج بسيط وأنيق: لا يكون العالم مستقراً إلا عندما يُعترف فيه بحق الشعوب المختلفة في أن تكون على سجيتها. هذه الفكرة تمتد كخيط أحمر عبر تاريخنا كله. وقد عبّر عنها فلاسفة ومؤرخون روس، وظهرت في مراسلات الديبلوماسيين، وتجسّدت في قرارات عملية اتُّخذت أحياناً في ظروف من الضغط المذهل.
في هذا السياق، تحضرني كلمات الفيلسوف الروسي إيفان إيليين، الذي قال إن الدولة لا توجد من أجل القوة بحد ذاتها، بل من أجل دعم الوجود الوطني-الروحي للشعب. وهنا تحديداً يكمن مفتاح فهم التقليد الديبلوماسي الروسي.
بعد انتهاء «الحرب الباردة» بدا وكأن النظام الدولي يدخل مرحلة «الإجابات البسيطة» عن أسئلة وجودية صعبة، ومرحلة الحلول الشمولية. غير أن الواقع تبيّن أنه أكثر تعقيداً ومأساوية.
فمحاولة بناء عالم يتمحور حول مركز قوة واحد، ونظام قيمي أحادي، وتفسير متحيّز للقانون الدولي، لم تؤدِّ إلى الاستقرار، بل إلى أزمة ثقة مؤجَّلة «إلى وقت لاحق». وقد أدركت روسيا، بعد مرورها بمرحلة صعبة من إعادة التفكير في موقعها في العالم، على نحو متزايد أن العودة إلى منطقها الديبلوماسي السيادي الخاص ليست فعل عناد أو تعبيراً عن طموحات إمبراطورية متخيَّلة، بل هي فعل مسؤولية تجاه ذاتها وتجاه شعبها.
إنّ السياسة الخارجية الروسية المعاصرة تنطلق تحديدًا من هذا الفهم. وهدفها ليس الدخول في مواجهة مع العالم الخارجي، ولا محاولة وضع نفسها في مقابل المشاركين السياديين الآخرين في العلاقات الدولية.
القسري، بوصفه السبيل الوحيد إلى سلام طويل التدافع روسيا باستمرار عن الحفاظ على استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الحكومية، والحوار السلمي من دون اللجوء إلى القوة أو الضغط أمد
أمّا أساسها الوجودي، فهو الإيمان بتعدّدية الأقطاب، التي لا تُعدّ في القراءة الروسية مجرد شعار أيديولوجي أو محاولة لاستبدال هيمنة بأخرى. بل هي سعي إلى نظام عالمي لا تحتكر فيه دولة واحدة أو تكتل واحد حق الحديث باسم الجميع، ولا فرض «قواعد لعبة» مختلَقة لا يُعرف مَن وضعها. وليس عبثاً أن القيادة الروسية أكّدت مراراً أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه إلا عندما لا تُبنى مصالح وأمن طرف ما على حساب انعدام أمن طرف آخر.
اليوم لا نشهد انهيار القانون الدولي، بل نشهد صراعاً على معناه. فروسيا تصرّ على العودة إلى مبادئه الأصلية: المساواة السيادية بين الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام التنوّع الثقافي والحضاري. وهذه بالنسبة إلينا ليست مفاهيم مجرّدة. إذ يقف وراءها اختبار عملي واعٍ ومؤلم لبلدان ومناطق عانت من نتائج الإدارة الخارجية، وفرض نماذج اجتماعية-سياسية مشكوك في جودتها، وتغيير أنظمة تحت ذرائع ظاهرها حسن النية.
في هذه الرؤى المتعلقة بكيفية عمل نظام العلاقات الدولية، لسنا وحدنا. يؤكّد ذلك التطور النشط للأطر الإقليمية وعلاقات الشراكة مع ذوي التوجهات المتقاربة. ففي فضاء أوراسيا، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية – نرى في هذه المناطق ليس أطرافاً هامشية للسياسة العالمية، بل مراكز قوة حيّة تعلن عن نفسها بثقة. وهنا تتشكّل بنيتنا الجديدة للتعاون، القائمة لا على الإملاء، بل على تنسيق المصالح المتبادلة المنفعة.
لكن مع الأسف، الطريق إلى مثل هذا العالم لا يخلو من سوء تفاهم جيوسياسي مؤلم. فقد أصبح النزاع الأوكراني تجسيداً مأساوياً لانقسام أعمق – أزمة الأمن الأوروبي، التي جرى فيها تجاهل المصالح المشروعة لروسيا لعقود طويلة. وغالباً ما يتم تبسيط موقفنا من هذه المسألة أو تشويهه، إلا أن جوهره يبقى ثابتاً: لا يمكن تفسير الأمن تفسيراً أحادياً، ولا شطب التاريخ أو إعادة كتابته بما يخدم سرديات خاصة.
إنّ عجز القوى الخارجية عن أخذ اهتماماتنا في الحسبان لم يمرّ يوماً من دون عواقب مقابلة. وهنا تحضر كلمات فيلسوف سياسي روسي آخر، هو فاديم تسيمبورسكي، الذي تتمحور إحدى أطروحاته حول أن الجيوسياسة الروسية كانت دائماً جيوسياسة حدود وتوازنات حضارية، لا توسّعاً من أجل التوسع. وإن فقدان هذا التوازن يقود حتماً إلى عدم الاستقرار للجميع.
من المهم التأكيد على جانب آخر أيضاً. فالديبلوماسية الروسية ليست مجرد مفاوضات في قاعات مغلقة، بل هي عمل مع البشر، ومع رأس المال البشري. فالثقافة، والتعليم، والحوار بين الأديان، والتعاون الإنساني، جميعهم باتوا اليوم لا إضافات، بل عناصر لا تتجزأ من مسار السياسة الخارجية. ففي عالم أنهكته القوالب الأيديولوجية وإملاءات القوى الاستعمارية، تتزايد قيمة الحوار الصادق، المحترم، والمتكافئ. وروسيا، بوصفها دولة ذات تجربة متعددة الأديان ومتعددة القوميات، تمتلك مورداً فريداً في هذا المجال.
هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في الشرق الأوسط، حيث يتشابك التاريخ والعقيدة والسياسة. ويحتل لبنان في هذا السياق مكانة مميزة. ففسيفساؤه المعقّدة والمتداخلة من الجماعات والتقاليد تذكّرنا بمدى أهمية التعمّق في خصوصيات الهوية الوطنية و«الإحساس» بالبلد. وقد تطورت العلاقات الروسية-اللبنانية تحديداً على أساس احترام البنية الداخلية للبنان، وخياره السيادي، وأصالته الثقافية. كما تدافع روسيا باستمرار عن الحفاظ على استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الحكومية، والحوار السلمي من دون اللجوء إلى القوة أو الضغط القسري، بوصفه السبيل الوحيد إلى سلام طويل الأمد.
يتجلّى في ذلك التعبير العملي للفلسفة الديبلوماسية الروسية، على الأقل في هذه الحال المحددة. فهي لا تَعِد بحلول سريعة، ولا تفرض نماذج شمولية. بل تقترح أمراً آخر: الصبر، والانتباه الدقيق للتاريخ، والاستعداد للإصغاء إلى الشريك. لكن في عالم يعلو فيه أكثر فأكثر خطاب الإنذارات النهائية، قد يبدو هذا النهج غير عصري. غير أن التجربة تُظهر أنه الأكثر قابلية للحياة.
تدخل روسيا القرن الحادي والعشرين لا بادّعاء التفرد، بل بوعي دورها: دور الدولة التي تدرك تماماً ثمن الفوضى، ولذلك تفضّل الطريق الصعب، لكنه الصحيح والمتوازن. طريق الدولة التي تبقى فيها الديبلوماسية لا أداة فظة للضغط على غير المرغوب فيهم، بل تبقى شكلاً دقيقاً وحسّاساً من أشكال الخدمة – خدمة شعبها ونظام عالمي أكثر استقراراً.
* السفير الروسي لدى لبنان
